يجسد الكاتب والشاعر الفلسطيني ثائر جبر روحانية الكلمات في لحظات تأمل , يستعرض خلالها صخب العيش وعبثية الواقائع في زمن القهر المزمن, ويمارس دقائق حياته في هدوء يفسر أحيانا بالثورة, - يتحصن في مواجهة الذات- خلف لوحاته الشعرية, ليروي لنا كلّ مشاهد المعاناة والأماني التي يعيشها الإنسان في بلد محتلّ شكلا أو محتلّ مضمونا.
تدفعه – حتى - الهموم العاديّة للإبحار الروحي في آفاق التأمل, ولا يأبه بمظاهر العصر متمسكا بقناعاته التي يتسلح بها كشاهد على عصره, لينقل لنا مباشرة خوض غمار الحدث في المكان والزّمان, ناقلا بأسلوبه المميّز, نماذج من اللوحات التي تعكس الواقع الأليم لحياة النّاس في ظلّ العولمة, التي تتعامي - عمدا - عن أدنى الحقوق المشروعة للإنسان - أيا كان موطنه - دون إغفال خصوصية المواطن العربي.
يسكن جبر بنيانه الفكري , يحاكي عوالم المعرفة والثّقافة وعوالم الأشباح, الحارات, والحراب, يستعرض بواطن الوعي في عرفانه الذّاتيّ , يستسقي – الأرض و السماء - أفكارا, ليدونها كلمات ترسم أبعاد الإنسان العربي, يخرجها في لوحات فنية انطباعية كما يراها من منظوره الفكري , بعد الغوص في متاهاتها مستكشفا كلّ معالمها و تراكيبها.
يكتب جبر كتاباته الجميلة , ذات الوقع الموسيقي الآسر في قوالب شعرية خاصة , وألوان أدبية لها طابعها المميز , وتعبيراتها الخاصة , التي تؤكد معالم شخصيه فكريّة مميزة.
يجسد رؤياه المستقبلية وفق مفاهيم أدبيّة صافية وشفافة, والتي برزت في نماذج مختارة من وجدانياته المنوّعة, المنشورة هنا و هناك, ما يعكس صورة جليّة لمسارات جبر في رؤى فكرية من نوع آخر ومغاير, يؤكد عليها في كتاباته ورؤيته الفلسفية, والتي تنتظر كشف النقاب عنها في رحلة نقدية, يذهب فيها النّاقد إلى ما هو أبعد من الكلمات, ليتبيّن العمق الإنساني الذي ذهب إليه جبر في عدد من رسائله الموجهة, لقيامة المجتمع الإنساني الحضاري بعيدا عن التجاذبات السلطوية القائمة على النزاعات و التدافع بغرض تدمير نصف الذات ضمن الذات الواحدة...
أميمه عبد الله
عن جريدة البشاير المصرية
الاثنين، 20 سبتمبر 2010
الأربعاء، 23 ديسمبر 2009
مناجاة زمن
منجاة زمن
كيف يأتينا المطر ؟
من تعاقب الزمن
و انحسار الدمع في السماء
و اشتعال القلب بالشجن.
كيف يأتي عشقنا ؟
من تشابك الريا ح بالريح
و انكسار الروح بالجسد
و اغتراب الشوق في الوطن.
كيف يأتينا نهارنا ؟
من تراكم الحلم
من مجيء المغترب
و التقاء العين بالسكن.
و على أسمائنا أقدارنا
و على أقدارنا ورد و سنبلة
و اختمار الوقت
ابتداءً من صراخي
و انتهاءً بالكفن .
كيف أدميت يد يا . .
و استكانت دون دربٍ قدميا
كيف صار الهمّ سخرية
و استحالت بسمتي للعدم
أين يمضي القلب بي؟
و الحنين للأ نين
هوني عليك أوقاتي
ما انتهيت من بنا ء مركبي . . . .
حتى تبخرت مني السنين .
بعد حين نستبين ظلنا
نحن أول و آخر
و الله في فكرنا
و الرصاص في المحاجر
.
من تعاقب الزمن
و انحسار الدمع في السماء
و اشتعال القلب بالشجن.
كيف يأتي عشقنا ؟
من تشابك الريا ح بالريح
و انكسار الروح بالجسد
و اغتراب الشوق في الوطن.
كيف يأتينا نهارنا ؟
من تراكم الحلم
من مجيء المغترب
و التقاء العين بالسكن.
و على أسمائنا أقدارنا
و على أقدارنا ورد و سنبلة
و اختمار الوقت
ابتداءً من صراخي
و انتهاءً بالكفن .
كيف أدميت يد يا . .
و استكانت دون دربٍ قدميا
كيف صار الهمّ سخرية
و استحالت بسمتي للعدم
أين يمضي القلب بي؟
و الحنين للأ نين
هوني عليك أوقاتي
ما انتهيت من بنا ء مركبي . . . .
حتى تبخرت مني السنين .
بعد حين نستبين ظلنا
نحن أول و آخر
و الله في فكرنا
و الرصاص في المحاجر
.
.
ثائر جبر
السبت، 5 ديسمبر 2009
أمل جبر
تتقدم أسرة مدونة ثائر جبر "أنا" من الكاتبة المناضلة أمل جبر بأجمل أيات التهنئة و التبريك, بمناسبة افتتاح مدونتها الشخصية
مدونة أمل جبر
, و التي أربكت صفوف العدو و قضت مضاجعهم , و جعلتهم يرون حتمية نهايتهم بأم العين ....
عاشت فلسطين حرة أبية
مزيدا من السيرلك و البمبرز
مدونة أمل جبر
, و التي أربكت صفوف العدو و قضت مضاجعهم , و جعلتهم يرون حتمية نهايتهم بأم العين ....
عاشت فلسطين حرة أبية
مزيدا من السيرلك و البمبرز
السبت، 3 أكتوبر 2009
النجم شاليط
دقيقاتان , - مدة فلم بطله العريف شاليط - , كفيلتان بتحرير عشرين أسيرة , وقد يحتاج الأمر الى مسلسل ذو حلقات طويلة "على غرار المسلسلات التركية" لتحرير كافة الأسرى , و ربما يتطلب الأمر أيضا بعض الشخوص (الشلاليط), و لا شك هنا تسجل نقطة لصالح المقاومة.
فلكي تطمئن إسرائيل على أسيرها لدى المقاومة, وتتنفس الصعداء لعدم تأثره باللكنة الفلسطينية, ولتعيد قضية هذا الولد إلى الواجهة الإعلامية العالمية "كمنافس حصري لأشرطة القاعدة", ولتكرس لمواطنيها اهتمامها بهم و برفاتهم , و لتمد بالصبر كل من ضاق ذرعا بغياب شاليط , غير آبهة بمبدأ هيبة الدولة ( مبدأ مشهور في الدول العربية) و لا دعاية المقاومة الفلسطينية , قامت إسرائيل بهذه الخطوة, و للمتأمل ان يعرف بأن تحرير شاليط قد بات بعيداَ من الناحية الزمنية, ولعلها طريقة لا بأس بها –خططت لها إسرائيل- ليهيئ الشعب نفسه لمدة طويلة من الزمن قبل أفول نجم شاليط وعودته إلى إسرائيل.
وفي المقابل ليس الوضع بأحسن حال بل يكاد يكون شاليط عبئاَ ثقيلاَ على الفلسطينيين, و لكنه صيد ثمين بالنسبة للمقاومة (مش كل يوم آسرين جندي), وعليه فأن المطالب الفلسطينية في مقابل إطلاق شاليط تكاد تكون رغبات جامعة لكل فئات الشعب الفلسطيني بكل أطيافه السياسية و الاجتماعية, بل يتعدى الأمر بالفلسطينيين لاعتبار شاليط الورقة الوحيدة الرابحة و الضاغطة على إسرائيل, و التي قد تكون كفيلة بتحرير الأسرى الغير قابلين للتحرر في العرف الإسرائيلي , "خصوصا مع ما بات يعرف بالتعثر المزمن لعملية السلام" و مع انحسار تساقط الصواريخ على جنوب اسرائيل و هبوط معدلاتها إلى أدنى من مستوياتها في مثل هذه الأوقات من السنة......
و في سعي إسرائيل للتخفيف من سقف المطالب الفلسطينية, ينقلب هذا السعي على الفلسطينيين جحيما (وجهة نظر الكثير من المفكرين ) , و إن كان ذلك قد يبدو خلطا بين الحالة اللبنانية و الفلسطينية فالحالة اللبنانية سبع سمان و عجفاء واحدة أما الفلسطينية فكل البقرات عجاف, و مع ذلك لا أحد ينكر أن إسرائيل قد ألقت بثقلها العسكري على غزة, فأسر جندي إسرائيلي يكاد يكون من المثاليات صعبة المنال, على الأقل في داخل المنطقة المعروفة بفلسطين التاريخية, وهذه الفكرة التي تحاول إسرائيل تثبيتها في أدبيات العمل الثوري الفلسطيني .
المقاومة بمعناها الفلسطيني المجرد عن أي شبهات خارجية أو أي استثمارات سياسية, استطاعت على مر الزمن كسر النظريات الإسرائيلية , وتحويلها إلى أوهام, وهذا ما تجلى بأسر شاليط "أكثر شخصية شرق أوسطية شهرة".
"الحق يقال" إن إسرائيل أثبتت كدولة ولائها لمواطنيها, فهي لم تدخر وسعها سياسيا و عسكريا و إعلاميا لتحرير شاليط , و استطاعت أن تحصل على معلومات "تريح بال " أم شاليط و أهله و المجتمع الإسرائيلي , و هي بذلك تسجل نقطة في صالحها في معرض الصراع الحضاري العربي الإسرائيلي , وهنا يتسائل الكثيرين لماذا لا تصبح قضايا الأسرى و المفقودين العرب سواءَ كانوا في غياهب إسرائيل أو في غياهب بعض الأنظمة (فلسطينيون أو غيرهم), قضايا رأي عام عربي و عالمي
فلكي تطمئن إسرائيل على أسيرها لدى المقاومة, وتتنفس الصعداء لعدم تأثره باللكنة الفلسطينية, ولتعيد قضية هذا الولد إلى الواجهة الإعلامية العالمية "كمنافس حصري لأشرطة القاعدة", ولتكرس لمواطنيها اهتمامها بهم و برفاتهم , و لتمد بالصبر كل من ضاق ذرعا بغياب شاليط , غير آبهة بمبدأ هيبة الدولة ( مبدأ مشهور في الدول العربية) و لا دعاية المقاومة الفلسطينية , قامت إسرائيل بهذه الخطوة, و للمتأمل ان يعرف بأن تحرير شاليط قد بات بعيداَ من الناحية الزمنية, ولعلها طريقة لا بأس بها –خططت لها إسرائيل- ليهيئ الشعب نفسه لمدة طويلة من الزمن قبل أفول نجم شاليط وعودته إلى إسرائيل.
وفي المقابل ليس الوضع بأحسن حال بل يكاد يكون شاليط عبئاَ ثقيلاَ على الفلسطينيين, و لكنه صيد ثمين بالنسبة للمقاومة (مش كل يوم آسرين جندي), وعليه فأن المطالب الفلسطينية في مقابل إطلاق شاليط تكاد تكون رغبات جامعة لكل فئات الشعب الفلسطيني بكل أطيافه السياسية و الاجتماعية, بل يتعدى الأمر بالفلسطينيين لاعتبار شاليط الورقة الوحيدة الرابحة و الضاغطة على إسرائيل, و التي قد تكون كفيلة بتحرير الأسرى الغير قابلين للتحرر في العرف الإسرائيلي , "خصوصا مع ما بات يعرف بالتعثر المزمن لعملية السلام" و مع انحسار تساقط الصواريخ على جنوب اسرائيل و هبوط معدلاتها إلى أدنى من مستوياتها في مثل هذه الأوقات من السنة......
و في سعي إسرائيل للتخفيف من سقف المطالب الفلسطينية, ينقلب هذا السعي على الفلسطينيين جحيما (وجهة نظر الكثير من المفكرين ) , و إن كان ذلك قد يبدو خلطا بين الحالة اللبنانية و الفلسطينية فالحالة اللبنانية سبع سمان و عجفاء واحدة أما الفلسطينية فكل البقرات عجاف, و مع ذلك لا أحد ينكر أن إسرائيل قد ألقت بثقلها العسكري على غزة, فأسر جندي إسرائيلي يكاد يكون من المثاليات صعبة المنال, على الأقل في داخل المنطقة المعروفة بفلسطين التاريخية, وهذه الفكرة التي تحاول إسرائيل تثبيتها في أدبيات العمل الثوري الفلسطيني .
المقاومة بمعناها الفلسطيني المجرد عن أي شبهات خارجية أو أي استثمارات سياسية, استطاعت على مر الزمن كسر النظريات الإسرائيلية , وتحويلها إلى أوهام, وهذا ما تجلى بأسر شاليط "أكثر شخصية شرق أوسطية شهرة".
"الحق يقال" إن إسرائيل أثبتت كدولة ولائها لمواطنيها, فهي لم تدخر وسعها سياسيا و عسكريا و إعلاميا لتحرير شاليط , و استطاعت أن تحصل على معلومات "تريح بال " أم شاليط و أهله و المجتمع الإسرائيلي , و هي بذلك تسجل نقطة في صالحها في معرض الصراع الحضاري العربي الإسرائيلي , وهنا يتسائل الكثيرين لماذا لا تصبح قضايا الأسرى و المفقودين العرب سواءَ كانوا في غياهب إسرائيل أو في غياهب بعض الأنظمة (فلسطينيون أو غيرهم), قضايا رأي عام عربي و عالمي
الأحد، 6 سبتمبر 2009
هدوء نسبي
هل هي صحوة الضمير أم محاكم التاريخ
انفجرت بغداد في ربيع 2003 و تراقصت أشلاء العراقيين , طربا على وقع الجحيم الأمريكي , و منذ ذلك الحين لم تشهد العراق هدوءَ , لا نسبي و لا غير نسبي , و رصعت دبابات بوش كل التظاهرات في الدول الغربية و العربية , و هدير الطائرات أرعد نوافذ القصور العربية , و احمرت الرادارات خجلا من رصدها في أفقنا المهدور .
لقد حذر الجميع من غزو بغداد , و طحنت جنين , و طحنت بغداد و دكت مقاطعة الختيار, و لا أحد إلا و بكى بغداد , و نقلت الفضائيات العربية العصرية سقوط تمثال صدام , و ضرب التمثال و لف بعلم أمريكا , و قال مراسل المنيرة الفضائية رحمه الله , من يدري لعله عصر جديد , و قالوا و قالوا لعله عصر جديد , اليوم سيعم الأمن في العراق و سنحتفل بالديموقراطية , و سيكون العراق بلدا عصريا , فسكتت الأقلام و لفت الأوراق, و افتتحت السفارات و عاد العراق يعمل من جديد بلونين أمريكا تارة و إيران تارة أخرى , و لسان حالنا يقول "إن البقر تشابه علينا".
"مطلوق علينا كأنك ديب جعان شارد و جاي علينا بتتمطع أوي و فارد,في كوريا نعجه و علينا جاي عامل مارد لا أنت عمي ولا أمي , ولا الوالد عشان تيجي لبلادي بكل أسلحتك تنقذني من اللي حاكمني, كنت عينتك؟ عارفك ما تعرف يا قاتل الا مصلحتك, مش انظمة (أنظمتنا العربية) إنما قابلينها يا بارد", لم تذع صرخة الأبنودي في وسائل الأعلام العربية سوى عبر فضائية لبنانية واحدة , و لربما تحركت الجماهير العربية ضد الغزو الأمريكي خجلا من المظاهرات التي عمت أوروبا احتجاجا على الغزو .
لقد غالت المؤسسات الثقافية و الإعلامية العربية في تجاهل القضايا العربية , فبعد سنوات تنتج شركة عربية مسلسلا ذو قيمة فنية و إنتاجية عالية , وثق أسطورة جنين, و من جديد اعتذرت جميع المحطات العربية عن عرض المسلسل سوى فضائية لبنانية واحدة, في حين لقي مسلسل الطريق إلى كابول حتفه من الحلقة الأولى , و اعتبر عرضه آن ذاك اعتداء على أمريكا!!, و انفردت البي بي سي بعرض جنين جنين للمخرج الفلسطيني المرموق محمد بكري ثم الجزيرة , و لعل ما يستحق التوقف أنها تعرض أثناء فترات الهدوء .
هدوء النسبي .
هدوء نسبي عمل درامي عربي جديد , قام عليه كوكبة من الفنانين العرب , يعرض بشكل خاص للتجربة المريرة التي عاشها الصحفيون إبان سقوط بغداد , و بشكل عام لما مر به الشعب العراقي, و تهاوي أول نظام عربي معاصر , لقد جسد هذا المسلسل الشعور العام الذي عاشه الإعلاميون العرب كافة, سواء في بغداد أو في العالم , و يوثق بدقة كيفية انخراط الصحفي و المثقف العربي في المقاومة "بالمايكروفون و الكاميرا", وقضى في سبيل العراق و الحق شهيداَ أو جريحاَ, و لعل الأكثر تأثيرا في هذا العمل, هو مدى العمق في المشاعر العربية تجاه العراق بحكومته العربية الأولى و شعبه العربي الأصيل, و لم يغفل هذا العمل الحساسية الأمنية العالية التي تعاملت بها أجهزة الأمن العراقية قبل السقوط , و عرضت الموضوع من باب "الغرقان يتعلق بقشة" , ويسمو العمل بالمعنى الحقيقي لكلمة سقوط , عندما يتناقلها الشخوص عبر الأحداث , فتشعر بالسقوط أنه سقوط ولا شئ غير السقوط, و تصبح الكلمة ذات طاقة مؤلمة , و لا غرب في ذلك فالحديث يدور هنا عن عاصمة الرشيد بكل ما فيها من تاريخ إسلام وحاضر عروبة .
لقد نجحت الدعاية الأمريكية و الإيرانية , وبنسبة عالية في رسم صورة بشعة للنظام العراقي السابق , و تأثر الكثير من المثقفون العرب بهذه الصورة, بل و تم التركيز على الصور التي التقطت إبان إخماد تمرد الجنوب , و التي قادتها أنظمة استكمالا لحرب الثمان سنوات مستغلة تقهقر الجيش العراقي بعيد حرب الخليج الأولى, و بدل من أن تكون محاكمات الدجيل حجة على الحكومة الشرعية , أصبحت على غير المتوقع , حجة على الإحتلال و تكريسا أخلاقيا للحكومة العراقية السابقة.
أهي صحوة الضمير أم أن حاجب محكمة التاريخ يصرخ "محكمة", ومن جديد وفي وضع شبيه بالتظاهرات التي عمت الغرب قبل الغزو, بدأت هذه المحاكمات و صحوة الضمير في الأوساط الغربية قبل العربية, فالكثير من أشهر و أعرق وسائل الإعلام و المثقفين الغربيين قد بدئوا بمراجعات أكثر عدلاَ , للقضية العراقية خاصة مرحلة الرئيس صدام حسين و حكومته,فهل سننتظر الإعلام الغربي حتى يصبح منصفا مئة بالمئة, و من ثم نتبنى القضية كمثقفون عرب و نمضي على خطاهم في إنصاف القادة العرب , الذين قضوا خلال منعطفات مهمة من التاريخ العربي المعاصر, وهل سيكون ذلك مرهونا بمقدار الهدوء النسبي في المنطقة.
لا زالت روح كليوبترا و دماء زنوبيا و صخور بترا تلعن روما.
انفجرت بغداد في ربيع 2003 و تراقصت أشلاء العراقيين , طربا على وقع الجحيم الأمريكي , و منذ ذلك الحين لم تشهد العراق هدوءَ , لا نسبي و لا غير نسبي , و رصعت دبابات بوش كل التظاهرات في الدول الغربية و العربية , و هدير الطائرات أرعد نوافذ القصور العربية , و احمرت الرادارات خجلا من رصدها في أفقنا المهدور .
لقد حذر الجميع من غزو بغداد , و طحنت جنين , و طحنت بغداد و دكت مقاطعة الختيار, و لا أحد إلا و بكى بغداد , و نقلت الفضائيات العربية العصرية سقوط تمثال صدام , و ضرب التمثال و لف بعلم أمريكا , و قال مراسل المنيرة الفضائية رحمه الله , من يدري لعله عصر جديد , و قالوا و قالوا لعله عصر جديد , اليوم سيعم الأمن في العراق و سنحتفل بالديموقراطية , و سيكون العراق بلدا عصريا , فسكتت الأقلام و لفت الأوراق, و افتتحت السفارات و عاد العراق يعمل من جديد بلونين أمريكا تارة و إيران تارة أخرى , و لسان حالنا يقول "إن البقر تشابه علينا".
"مطلوق علينا كأنك ديب جعان شارد و جاي علينا بتتمطع أوي و فارد,في كوريا نعجه و علينا جاي عامل مارد لا أنت عمي ولا أمي , ولا الوالد عشان تيجي لبلادي بكل أسلحتك تنقذني من اللي حاكمني, كنت عينتك؟ عارفك ما تعرف يا قاتل الا مصلحتك, مش انظمة (أنظمتنا العربية) إنما قابلينها يا بارد", لم تذع صرخة الأبنودي في وسائل الأعلام العربية سوى عبر فضائية لبنانية واحدة , و لربما تحركت الجماهير العربية ضد الغزو الأمريكي خجلا من المظاهرات التي عمت أوروبا احتجاجا على الغزو .
لقد غالت المؤسسات الثقافية و الإعلامية العربية في تجاهل القضايا العربية , فبعد سنوات تنتج شركة عربية مسلسلا ذو قيمة فنية و إنتاجية عالية , وثق أسطورة جنين, و من جديد اعتذرت جميع المحطات العربية عن عرض المسلسل سوى فضائية لبنانية واحدة, في حين لقي مسلسل الطريق إلى كابول حتفه من الحلقة الأولى , و اعتبر عرضه آن ذاك اعتداء على أمريكا!!, و انفردت البي بي سي بعرض جنين جنين للمخرج الفلسطيني المرموق محمد بكري ثم الجزيرة , و لعل ما يستحق التوقف أنها تعرض أثناء فترات الهدوء .
هدوء النسبي .
هدوء نسبي عمل درامي عربي جديد , قام عليه كوكبة من الفنانين العرب , يعرض بشكل خاص للتجربة المريرة التي عاشها الصحفيون إبان سقوط بغداد , و بشكل عام لما مر به الشعب العراقي, و تهاوي أول نظام عربي معاصر , لقد جسد هذا المسلسل الشعور العام الذي عاشه الإعلاميون العرب كافة, سواء في بغداد أو في العالم , و يوثق بدقة كيفية انخراط الصحفي و المثقف العربي في المقاومة "بالمايكروفون و الكاميرا", وقضى في سبيل العراق و الحق شهيداَ أو جريحاَ, و لعل الأكثر تأثيرا في هذا العمل, هو مدى العمق في المشاعر العربية تجاه العراق بحكومته العربية الأولى و شعبه العربي الأصيل, و لم يغفل هذا العمل الحساسية الأمنية العالية التي تعاملت بها أجهزة الأمن العراقية قبل السقوط , و عرضت الموضوع من باب "الغرقان يتعلق بقشة" , ويسمو العمل بالمعنى الحقيقي لكلمة سقوط , عندما يتناقلها الشخوص عبر الأحداث , فتشعر بالسقوط أنه سقوط ولا شئ غير السقوط, و تصبح الكلمة ذات طاقة مؤلمة , و لا غرب في ذلك فالحديث يدور هنا عن عاصمة الرشيد بكل ما فيها من تاريخ إسلام وحاضر عروبة .
لقد نجحت الدعاية الأمريكية و الإيرانية , وبنسبة عالية في رسم صورة بشعة للنظام العراقي السابق , و تأثر الكثير من المثقفون العرب بهذه الصورة, بل و تم التركيز على الصور التي التقطت إبان إخماد تمرد الجنوب , و التي قادتها أنظمة استكمالا لحرب الثمان سنوات مستغلة تقهقر الجيش العراقي بعيد حرب الخليج الأولى, و بدل من أن تكون محاكمات الدجيل حجة على الحكومة الشرعية , أصبحت على غير المتوقع , حجة على الإحتلال و تكريسا أخلاقيا للحكومة العراقية السابقة.
أهي صحوة الضمير أم أن حاجب محكمة التاريخ يصرخ "محكمة", ومن جديد وفي وضع شبيه بالتظاهرات التي عمت الغرب قبل الغزو, بدأت هذه المحاكمات و صحوة الضمير في الأوساط الغربية قبل العربية, فالكثير من أشهر و أعرق وسائل الإعلام و المثقفين الغربيين قد بدئوا بمراجعات أكثر عدلاَ , للقضية العراقية خاصة مرحلة الرئيس صدام حسين و حكومته,فهل سننتظر الإعلام الغربي حتى يصبح منصفا مئة بالمئة, و من ثم نتبنى القضية كمثقفون عرب و نمضي على خطاهم في إنصاف القادة العرب , الذين قضوا خلال منعطفات مهمة من التاريخ العربي المعاصر, وهل سيكون ذلك مرهونا بمقدار الهدوء النسبي في المنطقة.
لا زالت روح كليوبترا و دماء زنوبيا و صخور بترا تلعن روما.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
