الأحد، 9 أكتوبر 2011

لي مدينة تسمى حمص




لي مدينة تسمى حمص


لي مدينة جوار الشمس

تعرف الأحياء من شوارعها


لي مدينة تحاور الشمس


والمدينة تنام العتم في فوهات البنادق


تخلع الضجر عن فجرها


و تنام الليل في كف عاشق


وينام العاشق في عين المدينة


والدخان يقرع الأجراس في المناطق


يشرب العاشق قهوته


يلهو القاتل بدبابته


يهرب الجدار من الجدار


ودماء العاشق صارت قهوةً للنهار


تغمر المدينة الثكلى فتاها


دمعة على جبينه وأخرى في الرماد


يحمل الهواء ما تبقى من الغبار


وشبابيك المدينة تعيد الظل للأبعاد


أصبح الشارع في الحي على الأخبار


خبر عن قنبله. .. تقطف النارنج في الحدائق


تغمض المدينة الثكلى عيونها على فتاها


ظلمة الليل وهدر ,


وأزيز الرصاص


والمدينة اهتزاز القارات,


ودما من يرقات انشطرت


وشعوبا قد أقبلت


من مآذن انكسرت


وارتعاد الحرائق


من بريق المطر الحانق


آخر الأخبار تحكي



عن شوارع المدينة التي انفجرت

مليون عاشق

لملم الجند بقاياهم وهموا


رعشة الموت


بين أوصالهم تنمو وتنموا


أقبلت مدينتي والحريق


فل تباشروا الرحيل


قبل أن تأتي وتنسف الطريق


لي مدينة تحابي الشمس


لي مدينة تسمى حمص


----
ثائر جبر






الجمعة، 26 أغسطس 2011

نشيد الفجر السوري



أناشيد الفجر السوريّ


(قاشوش حنجرة السماء)

خوذات سحرنا
وحدائق المساء
وعباب بحرنا
كل الحوائج ملكَنا في هذه اللحظات
وقاشوش حنجرة السماء
وحماة قوس البدايات
فلنملأ الرحل بفائض الطلقات
ودمائنا تجبي عليلنا
والنجم ينتحب
والليل يلثم دربنا
ونهارنا نبتاعه بعظامنا كي نقترب
في حينا غيم تزاورنا .. ولا تقرئنا السلام
في حيّنا يتكور القمر اجتهادا
ويموت عشق الناس ...
يلمس ترابك المتوهج كي ينتصب
من تحت قطر الصلب نكسر صورةً
ونجندل اللات
بالنعل نتخم أربعين عاما
قد حان وقت ربيعنا
قد حان وقت رحيلكم
ودمائنا خضراء ملئ....وضوحنا
ودمائنا لرحيلكم
****
في حضرة الموت المعبأ بالحياة
نَرْقي وجودكم....
من زيتنا المقدس بالرصاص
ونبين الأبعاد بالعشق المعشق بالشظايا
من جرحنا العالي ,... نروي صحاريكم
قربان رايات العرب أشلائنا
ونموت وحدنا
فيروز تونس في اللاذقية
ولمصر شمسٌ في حلب
ودمشق ريحان السماء لمكة
و دمشق عشقي...
والبنادق ترصدُ عشقي
عشقي دمشقيٌّ
والقلب جاوز حلقي
تفنى بنادقهم......
ولا تفنى دمشقي.
ومدينتي تبكي مدينتي
ألفا شهيدٍ في مدينتي
"ولا يحكمنا الجحيم غداً"
****
يا شعلة الروح الأخيرة
الريح ترمينا
والقلب يشوينا
لملم غبارك وانصرف
سافر بجوانحك فينا
واسكن حكايتك العتيقة لحظة
وتعال و أملئ أفقنا غماما
مطرا يلملم شوقنا
ناقوس نصرٍ يصعق الرخام في حدقاتنا
قسماً يهزّ الأرض
قسماٌ بأن نحيا ونحيا,
نحيا و تحيا شامنا
****
(درعا )

في الطريق جنوبا
من خلف أكتافي يبان القمر
وعلى حواف الشارع الأسود ...
يسير الموت
يمضي إلى حقولنا
يمضي ولا ريحٌ ...ولا عصفٌ....
لا ضجر
وأنا ودرعا زهر برتقال,
وزقاقنا أهزوجة الأطفال :-
أحلامنا هواءٌ
و نسيمنا أعلام
كلماتنا قنابل
و صواريخنا أقلام
دمائنا سنابل
و انسحابنا أوهام
****
وتعلمت درعا جميع الأسماء
فمن الورود إلى الوجود
ومن الفناء إلى البقاء
حوران تكتبها ........
ويشرحها المطر
وأنا ودرعا حقل نخيل
ظرف الزّمان المستحيل
ودرعا حديث الأنبياء,
درعا تعلّب غزاتها
وتعتق شمس العرب
درعا كتائب عشقٍ
و مفارزُ غضب
****
وشامنا تعويذة الوضوح...
تمزقُ وجه النذير المستعار ......
وتشكر الله على المطر
لن نَعْتِقَ المطر
حتى يقول لنا بأي سماءٍ ترك النهّار
من عندنا يبدو النهار
وتعود مكة إيلافها
وينتهي جيش التتار...
ونحرق أبجدية الحديد
وتتوحد الأعناق بالأشجار
رغم انفجار الأسمنت في أرجائنا
وتطاير النجمات من أقداحنا
نعلق أسمائنا على الشام
وعلى جبين الفرس نعلي فجرنا
حتى تتم المآذن انعتاقها
حتى يبلغنا المسيح السلام
حتى يضيق العرش بالعبيد
كي يخرج الشهداء من أحلامهم
ويعلقون معاطفهم على سواعدنا
ويشاركونا كعكة العيد
***
(الحراس)


ولنا هنا حراسْ...

يتمترسون على جثتي...

ويعتقلون جماجمنا
وبساط جدتي
وحنيننا "كفاف يومنا"
وجناح عصفور تكسر.
كي يبصروا الجولان,
عند انشطارها نحو الغرب أكثر
ولنا على أكتافنا حراس....
نقتلهم ...
إذا لم نرمهم بالرصاص
يقترفون كينونتهم
يحمون نيروزا و موعودا
وننفذ عدل الله
وننفذ عدل الله ...يا حارس النجمة.
يــــا قائد الحرسِ
عينك على بيروت !
قلبك على القدسِ !
.قلي بربِكْ....
ما بال لحمي بكفك,
كيف و دام ظلُكْ .....
دمي على وجهِكْ !!.
*****
ولنا هنا حرسٌ , لِما تميل روما يميلُ
ويقول عدنانٌ و ذبيانٌٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ,وعبسٌ عبسنا
وظروف أزمانٍ, وأمكنةٍ مناسبةٍ
وحقوقُ ردنا
علل - ولا ظلّ إلا ظلنا-
أشباحكم في أحلامنا؟
ورصاصكم في محجرينا؟
رحماك ربي..
"إن البقر اشتبه علينا"
***


(جمعة النصر, القصر)

منذ الظهيرة نقتل
وغبارنا يملئ الغيم بالأمنيات
وتذوب أضلعنا بكسرة الجدار
نتناول الشاي بالشظايا
ونَعُدًّ أنفسنا بعيد لحظاتْ
من انقطاع الكهرباء واهتزاز البنايات
ندنو لنعرف قتلانا
وتضيق أضلعنا ويتسع الدمار
منذ الظهيرة يستمر القصف
يتكدس القتلى على الطرقات
ولاشيء غير الانتظار
وتبعثر الأشباح حجرتي
بحثاً عن الرغبة المقدسة
والصرخة المندسة .
في حنجرتي
منذ الظهيرة نقتل
ويطول ليلنا
ويطول صمتك يا حبيب الروح
ويطول صبر الله
يا الله البر لنا وعلينا القسم
قسما بان نحيا ونحيا
نحيا وتحيا شامنا
وتحيا حوارينا,
كن شعلة الروح
واطلق زوابعك ينحني البحر
و ابدأ طوفانك
يتراجع الجيش المزور من حفيف نعليك,
وينكسر الجحيم على يديك
هي جمعةٌ للفجر
هي جمعةٌ للقصر
حتى يعود الوقت للربيع
وتقول أعرابٌ وما كنا,
وكنا, عندما كانت عينيك..
هي جمعةٌ للنصر
هي جمعةٌ للقصر
ولعينك الغضى أغني
لكفيك المعلقتين
في الشمس والاندثارِ
ولعشقك المهلهل بانفجاري
كن أفقنا ساعة
حتى يبان الخيطان من الظلامْ
كي تقنع الجو الثقيلِ بالانحسار
كي تهرب الرصاصات
من سرب حمامْ
وتضيع دباباتهم في كف غلامْ
كن شعلة الروح ساعة
كي يسقط النظام
****
ثائر جبر

الخميس، 11 نوفمبر 2010

الرحيل المستبد ّ




الرحيل المستبد ّ

فجر الرحيل المستبد ّ
فيما يفجر وحدة القلب العنيد ...
في اشتعال الدمع الأخضر

و البحر يبكي من وقوفي المزمن
وينوح من وجع المسيح المستجدّ

جائت رياح الشرق تسحق عظمي
و أنا مسار العائدين إلى دمي من المعارك
و إلى المهاجع من الهزائم
و البحر يبكيني
و البحر يحكيني لأطفال الغبار الهارب

يهرب الشجر الشتوي مني
و صفات جدي و البقايا من معالم ظلي

من لي و للجنون
من لي و للوجه المسافر

من شاطئي تأتي النذر
حلمي يحاصرني بدفتر مدرستي
و بذكريات الظهر قبل رحيلنا

و أبي صعود النجم في السماء
و أبي يحاكم بقائنا
نم يا أبي , لنفرّغ الألم المرفّل فينا
و لنعبر الجرح الموازي لانكفائنا
نم يا أبي لنتوحد فيما يشبه الخطى
دع عنك قانون الضرائب ...
..و ما يساورنا من اللاحياة

و البحر يحكيني لزهر الدار في الشاطئ الجنوبيّ
و بطفرة الروح يرميني إلى الكتب المقدسة

من لي و للعشق القتيل على يديا
من لي و لي و لكل ما عندي من الخطايا
لجمال وجهي في المرايا

لا شيء , لا أحد لك...
- لا شيء , لا أحدٌ سوى رجع البقاء في عينيك ,

كنا و ما كنا و تسحقنا السماء بفائض النشيد المجوفل
ببقائنا و برجع عيني و احتباس السيف في صدري
بحجاب أمي وانتحاب الشجر العمري عند الفجر

اشتق زهراتي من الوجع المرتل
أمضي و أبحث عن الخرائط
كي أحكم الأنفاس في رئتي و ما يشبه الوجود
أستحضر الأشياء في كأسي و في روحي
يتكون الأصحاب أشباحا
نمشي و نبسم للنشيد المهلك في السماء
و بنبض شريان الحياة ......
وما يحابي الفلب من عشق الورود
نعلو و تعلو خيلنا بجوانح الرعد الدفين
نحن المسافات المسافرة
و سواعد الزمن المطارد
قطر الصباح الحائر

وهنا ينام القلب و الرّحل
و هنا يراودني رحيق الصبح
يستنبط اللحظات من رسمي ,
و يخلع عن جبيني أحرف اسمي
و ألوذ بالدار التي شهدت دماء عمري
فيخالني الوقت الخريفي , فيعلو قبري
*********
*********
و أعوف جرحي في يديْ معشوقتي
لتكون , ثم أكون نصفي
قد يعشق الجرحُ السيوفَ
,و انا أتوق لما يداعب حسرتي
و أنا ارتداد الروح في صمتي ,
و سكون عرشي دمعتي

أمضي إليك , أعانق الدم , على وجهك
تترجل العين الدفينة في جفني
ضع رأسك الدامي على زندي
لي سيفك النائم ..
و لك احتباس العتم في يدي
فلترحل الشمس
فليرحل الضوء
بعض النسيم لكي ينام رفيقي
أخشى الرحيل و أنت تغفو
أخشى الرحيل و أنت تسمو
أخشى الرحيل و لا أراك غدا
أدري بأنك ذاهب للماء في السماء
و أخاف إذا .. غادرتك ..,,,,,,
أن لا أراك ولا أرى بارق الحياة .......
ودفئ صدرك و ارتقاء الورد في أبعادك
إن لم تزرني ....لن أ لومك أعرف الأشياء تشغلك ...
حملي ثقيل و انسحابك مقتلي
و مسيرتي زمن طويل
أدري بعودي لن أراك هنا

كنت المساءات الجميلة في عيوني
كنت الصباح الرطب في جفني
غضب الأسير على سواعدك انفجاري
غيظ الدماء على قميصك يحرق الأنفاس في صدري
رؤياك بين يديّ تفرحني
و شماتة الأرضات تجرحني
يا ليتني ما كنت قبل اليوم
أنى بموتٍ يأخذ الحسرات عن وجهي
دع عنك همي و ارتحل بهدوء غضبتك
دع عنك عيني قد تبرد دمعتي غلّتك

يا ابن أبي ما للنواح وما لك الآن
بات النعاس يزاور العينان
يا سيدي و الريح تكاد ترميني
يا سيدي والشمس تحرقني
يا سيدي كيف انفجرت بربك اجتبيني

لي ثورتي و بنادقي
يا سيدي ميراثك الإنفجار و سيفك الذهبي لي
لي سائر الدم و ارتفاع القلب

و أنا المحارب الثائر المطل المجتبى.......
لبريق عشق الواردات إلى العلا
و أنا إذا ما طل نجمي تعرفيني

عفت ثيابي ..
و سئمتها .... ما كنت تأتيني
...

من لي سواك لتغمريني ....ولتحملي جرحي
و لتجمعي الأوقات عن كتفي
....
من لي سواك لتأخذي كفي إلى سيفي
و تسبّلي عيني على النجمات


نحن البقايا منكم ....الدم فينا دمائكم
نحن انفراج الأفق في أرواحكم

و إذا أطلت خيلنا لن تنكرونا
لن تنكروا فينا وديعتنا......
رفاتنا – أشلائنا بوابة الجحيم
نحن الأسود السمر, سمُّ الريح و الجوّ الرخيمِ
دُمْنا بذات الشّزر في نظراتنا
ما دام في أصواتنا نَبْرات عشقي
حتى و إن كنا طرائدَ سادن النار السماوي في الأفق
نبقى أسود الأرض......
شمس فجرنا الأولى وميلادُ النهارِ
تحت التراب جثة.........
قد عافت الرأس الضَّحوكِ على الرماح
أو فوق حقلٍ نلعب البشرى ,........
و بعض الإبتسامِ مع الصغار
أيا نكون , فنحن وقع الحب في حرم الدمار,,
 ***

ثائر جبر

الاثنين، 1 نوفمبر 2010

الكتابة

الكتابة ....هو الكلام المر. مر كطعم العلقم، لكنا دائما نمارس الكتابة, رغم تآكل الأمل, لماذا ننحى بأنفسنا إلى كهوف معزولة ومتربة، ونعصر أقلامنا ليسيل دمها أسودا على أديم البياض؟
الكتابة هي اختمار الألم، تجتاحك كالطوفان في اللازمان واللامكان. ولا تعطيك خيارا آخر سوى امتشاق القلم والقرطاس.
الكتابة معنى من معاني الوجود المتزاحمة, تسافر كالأعاصير على ضفاف النفس، تدفع بالدماء من القلب إلى بقية الجسد فتحيينا. وعندما نحيا نتذوق طعم وجودنا. وجودنا المالح كمذاق العرق في يوم حارق.
نرتكب القصائد، نقترف النصوص لنسرح القمر من سجنه المظلم ثم ندحرجه ككرة ثلج ليكبر ومعه تكبر آمالنا لنواصل الكتابة.
الكتابة أطراف الروح. يقظة الكلمة، إنعاش اليأس, تغتال البيان لتعبر في هدوء عن مكونات الوجود الأولى, وتعمق فينا الإحساس بالأمل لنواصل الكتابة.

الخميس، 7 أكتوبر 2010

لو قرعنا جدار الخزان سيطلقون علينا الرصاص!





الكاتب ثائر جبر

يخرج من بيته مسرعا والنعاس يزاور عينيه شرقا و الشمس - تزاورهما – غربا, لا يملك من وقته شيئا, تأخذه الطريق إلى ذلك السلك الشائك, سيارات صفراء "تنعف" عمالا وتمضي مسرعة تاركة ورائها الجحيم, يتأبط كيسا أسود, قد أودع أولاده عين الله ومضي يصك رغيفا.

لا أحد يأبه لأمره, أو لأمر أولاده, وهو لا يطلب شيئا كهذا, ولم يخرج يوما في تظاهرة ضد الغلاء ولا ضد أي شيء, لم يسأل إذا كان اسمه على أجندة المفاوضات أم لا, لا يملك ذهنا لمتابعة الأخبار ولا مساحة من الوقت ليقرأ الإدانات اليومية, لا يعرف من أين بدأ الشقاق ليعرف إلى أين وصلت جهود المصالحة, جل ما دأب على التفكير به منذ اشتد عوده هو "كيف سيتمكن من سد عوز عائلته" .

يذكر جيدا حكايا جده عندما كان يعرّج على القدس ليزور بعض الأصدقاء في طريقه إلى عكا, ليشتري فستقا وتبغا ليطحن ساعات الليل الرطبة برفقة صهره العكاوي.

لم يعِ يوما كيف كان جده يذرع تلك الأرض بـ "قمبازه" وعصاه ولفافته, وتلك البنايات التي تشبه اليوم رومانيا, بشبابيكها التي تطل منها الفتيات ليغسلن بالشمس أجسادهن الذابلة من النوم الطويل كل صباح, لم يدرك تماما عما كان يتحدث جده عندما يصف له يافا ومقاهيها وبحرها, وحيفا برونقها وتوابلها وفتياتها.

تنزاح كل ألأفكار من رأسه, بجده وبصباه و صبواته, ويبدأ بالتفكير "كيف سنعبر هذا السياج إلى ذكريات جدي لنعمل هناك", يتسلق الأسلاك بجسده المنهك من شدة النعاس, ثم يمضي ومجموعة من أقاربه, - بضع خطوات -, ديبجات من الحديث يمسك كل منهم بطرف لا يقطعها سوى سيارة جيب إسرائيلية "تجعر" من بعيد, كالوحش الذي أدرك فريسته, تدنو السيارة أكثر فأكثر, يترجل من فيها, يحاول الجميع الهرب, لم يسعفه جسده الثقيل ليجاري رفاقه, أطرق ثانية لنفسه –وهو يهرول -, ماذا سيحدث, سيطلبون هويتي كالعادة سيدققون فيها وسيتركونني وشأني.... على أسوأ الأحوال لن أعمل هذا النهار, فهم يعرفون جيدا أني عامل وكيسي الأسود نصف هويتي, وملمس يدي نصفها الآخر, وقد لا يطلبون هويتي أصلا!!!, لم يلبث أن يقطع حواره مع نفسه حتى لامست جسده فوهة البندقية, ما استدرك الأمر إلا والرصاصات تخترق جسده ليسلم الروح بسبعة وثلاثين ربيعا.

في اليوم التالي - تماما- عاد ليعيد الكرة, له من العمر اليوم خمسة وخمسون عاما, يكاد الرأس يشتعل شيبا, واليد ضاقت بأناملها تعبا, لكن – قال لنفسه - "يجب أن أعبر إلى ذكريات جدي لكي أعمل هناك", اعتلى السلك الشائك بعوده النحيل, ثم رماه خلفه ومضى ومجموعة من أقاربه, بالكاد تحمله قدماه, ولكن الأفق المقابل يحمل ثقله وجحيما رابضا, فجأةً رأى نفسه في حرب, جنود من كل حدب وصوب, قنابل ورصاص يتبعه صراخ من كل الجهات, دخان هنا وهناك, جندي من دون سلاح – رأى نفسه – في أرض الحرب, إلى أين؟ "سأل نفسه" بالأمس تعبت حتى أدركوني وانتظرت سؤالهم لكي أجيب فأودعوا كل الرصاصات في جسدي, فماذا أفعل اليوم؟...... , إلى هناك, يجب أن أركض إلى هناك, ولكن ..(استدرك نفسه ) "لي من العمر ما يفرض احترامي, .. ماذا لو لم يأبهوا؟, سأتابع الركض, ....يا الله....لا أقوى على عذابات الأرض...لا أعرف هذا الدخان, لا أقوى على الشهيق... يا الله .......",

يزداد الدخان الأبيض في المكان, تنزاح منه الرائحة الكريهة, ويبدوا كالضباب البارد, يسود صمت فجائي في أرض الحرب,لا بنادق ولا رصاص ولا قنابل, وشيئا فشيئا بدأت أصوات العصافير كأنه الصباح, نظر حوله قائلا لنفسه, ما هذا؟ أين أنا؟, أطرق السمع والنظر في ذهولٍ حتى بدا له وكأنه رجل في السبعين من عمره يخرج من الضباب الأبيض مقبلا إليه بعصا وبين أصابعه لفافة, فرك عينيه بيديه وأمعن "يا الله ....جدي", تبسم الرجل ثم قال "لا تخف يا بني", وربت على كتفه وأردف "سنمضي اليوم إلى عكا نتسامر وصهرنا العكاوي وفي الصباح سنعود نزور بعض الأصدقاء في القدس".

" إهداء إلى أرواح شهداء الكدح والأرض عز الدين صالح عبد الكريم الكوازبة و شحدة محمد حسين كرجة رحمهم الله."


عز الدين صالح عبد الكريم الكوازبة

الشهيد شحدة محمد حسين كرجة